قصة ” الدفء الأخير”
في خيمةٍ من قماشٍ ممزّق، عند أطراف مدينة خان يونس، كانت أمٌّ تضمّ طفلتها الصغيرة رهف إلى صدرها بكل ما تبقّى فيها من قوة… لم تكن الخيمة بيتًا، ولا الدقائق ليلًا، كان البردُ هناك طاغيةً لا يرحم، يمرّ فوق الأجساد كما لو يمتحن صبرها على البقاء. رهف… ستة أشهر فقط، كأنها قبضة نور صغيرة، تتنفس بصعوبة وكأن الهواء من حولها متعبٌ مثلها. كانت أمها تحاول تدفئتها ولكن دون جدوى. في تلك الليلة، لم يكن البرد مجرد طقس… كان حصارًا، وحياةً تُدفع نحو الهشاشة عمدًا. لكن البرد لم ينتظر… هدأت رهف فجأة. توقّف ارتجاف جسدها الصغير، وبقيت يداها مسترخيتين، وكأنها استراحت أخيرًا من معركة أكبر من عمرها بأضعاف. حملتها أمها بذعر، هزّتها، قبّلت جبينها الذي صار أبرد من الهواء نفسه. صرخت… صرخة كسرت صمت المخيم كلّه، صرخة أمٍّ خسرت آخر ما يمكن للإنسان أن يخسره دون أن ينهار… قلبه. ظلّت الأم تُمسك طفلَتها، تلفّها بالبطانية نفسها التي لم تستطع أن تمنحها الدفء، وتتمتم بكلماتٍ لا يسمعها أحد إلا الله. رهف لم تمت من البرد فقط… بل من العالم الذي سمح للبرد أن يكون قاتلًا. ومن الخيام التي تُرك الناس فيها بلا جدران تقيهم برد الشتاء، ومن أبواب أُغلقت في وجوه من يستحقون الحياة. وفي الصباح… حين حملوا جسدها الصغير، كأنهم يحملون الشتاء كله بعيدًا، بقيت الأم تنظر إلى السماء وتقول: ” أنتِ الآن في دفء الرحمن وعدله” هذه ليست مجرد قصة… هذه مرآة لوجعٍ حدث مرارًا هنا في غزة، في قلب المخيمات. وجع طفلة اسمها رهف أبو جزر… رحلت لأن العالم كان أبرد من جسدها الصغير.
